الرئيسية » كتاب واراء » "ماكرون" وعُقدة الاستعمار الفرنسي في أفريقيا

"ماكرون" وعُقدة الاستعمار الفرنسي في أفريقيا

تَندرجُ جولة الرئيس الفرنسي “إيمانويل ماكرون” إلى ثلاث دول أفريقية، هي تحديداً: “بوركينا فاسو”، و”ساحل العاج” و”غانا”، ضمنَ استراتيجية إعادة بناء علاقات جديدة بين فرنسا وأفريقيا، ووفق رؤية توجيه السياسة الخارجية الفرنسية الأفريقية نحو شراكة اقتصادية مغايرة، وتعاون فعال في مجالات العمل والتعليم والطاقات الجديدة. ومن الواضح كذلك، أن الزيارة تدخل ضمن سعي حثيث من جانب الرئيس الفرنسي وفريقه؛ إلى نزع الطابع الاستعماري لفرنسا تجاه ما يسمى “مناطق النفوذ التقليدية”، التي ظلت لعقود مجالاً سيادياً لفرنسا، تستغل مُقدرات بلدانه، وتستثمِر طاقاته البشرية دون رقيب ولا حسيب، بغض النظر عن طبيعة النخبة الحاكمة في فرنسا، أكانت من اليمين أم من اليسار، أم منهما معاً.
 

جوهر هذه السياسة يتمحور حول تقديم صورة جديدة عن فرنسا، مُتحررة من طابعها الاستعماري، وساعية إلى صياغة علاقات جديدة

يمكن فهم زيارة “ماكرون” الأفريقية، وما تحمل من أبعاد وتطلعات، بربطها بالمشروع الذي دافع عنه خلال حملته الرئاسية، والوعود التي التزم بتطبيقها أمام ناخبيه.. ليس في موضوع “أفريقيا” فقط، بل بالنسبة للسياسة الفرنسية عموماً. أما جوهر هذه السياسة، فيتمحور حول تقديم صورة جديدة عن فرنسا، مُتحررة من طابعها الاستعماري، وساعية إلى صياغة علاقات جديدة، قوامها التعاون والتبادل في المجالات الاستراتيجية المشتركة. لذلك، لم يتردد “ماكرون” في الإعلان بجرأة كبيرة، حتى قبل بداية ترشحه للرئاسة، عن الطابع الاستعماري لبلاده في الجزائر، وضرورة نزع هذا الطابع عن العلاقات الفرنسية الجزائرية، وبنائها على أسس جديدة.. ونتذكر كيف تلقى الفرنسيون تصريحاته، وكيف استغلها اليمين ووسط اليمين في الحملة الانتخابية للرئاسيات الأخيرة (ربيع 2017).
فكما عبّر “ماكرون” صراحة في قلب الجزائر عن رؤيته لنزع الطابع الاستعماري عن فرنسا، والتخلص سياسياً وثقافيا من عُقدة التاريخ الاستعماري الثقيل لبلاده (أواخر تموز/ يوليو 2017).. أعاد الاعتراف نفسه في لقائه مع أكثر من 800 طالب في جامعة “واغادوغو” في ” بوركينا فاسو” (الثلاثاء 28 تشرين الثاني/ نوفمبر 2017)، حيث جاء خطابه مباشرا، تفاعلياً وشفافاً، بل كان في بعض جوانبه مستفزا لرئيس البلاد؛ الذي لم يمتلك أعصابه، وغادر قاعة المحاضرة قبل الأوان، وتحت صراخ الحاضرين. فمن جوهر ما ورد في هذا الخطاب، قول “ماكرون” بأن “جرائم الاستعمار الأوروبي في أفريقيا لا جدال فيها”، داعياً الأفارقة إلى “إرساء علاقات جديدة مع الأوروبيين”؛ تأخذ في الحسبان التغيرات الجيواستراتيجية التي طرأت على العالم ودوائره، ومنها دائرته الأفريقية. بيد أن “ماكرون” لم يقف عند عتبة الاعتراف بأخطاء الاستعمار في أفريقيا، بل شدد على ضرورة بناء جسور جديدة بين الأفارقة والأوربيين، بقوله: “جرائم الاستعمار الأوروبي لا جدال فيها”، غير أنها تشكل “ماضيا يجب أن يمضي”، وكأن لسان حاله يقول علينا الصفح والتوجه إلى المستقبل، وهذا ما عبر عنه صراحة في خطابه، حين أكد على ضرورة بناء هذا المستقبل بالقول: “ما علينا إرساؤه معا؛ ليس مجرد حوار فرنسي أفريقي، بل مشروع بين قارتينا، علاقة جديدة يتم التفكير فيها على مستوى جيد” ليضيف ” إن أفريقيا ليست قارة ضائعة ولا ناجية، إنها قارة مركزية تلتقي فيها كافة التحديات المعاصرة”.
كيف يمكننا قراءة مستقبل هذه الرؤية الجديدة التي صاغها “ماكرون” ويسعى إلى تنفيذها في الواقع”؟ هل بمستطاعه الوصول إلى إرساء شراكات جديدة مع القارة الأفريقية بعيدة عن النزعة الاستعمارية لفرنسا، ومتخلصة تحديداً من ضغط تاريخها الاستعماري؟

 
هناك في الواقع جملة من العناصر قد تدفع في اتجاه الإقناع بصدقية مشروع “ماكرون”. فأول هذه العناصر أن الرئيس الفرنسي الجديد (39 سنة) ينتمي إلى جيل ما بعد تحرر مجمل بلدان القارة الأفريقية، أي ليس له أي دور – بحكم عامل السن – في ما حصل لهذه القارة. ثم إنه ليس لنمط تفكيره أية عقدة في الاعتراف بأخطاء فرنسا، وحتى بجرائمها الاستعمارية.. والأكثر، سبق له أن طالب من فرنسا الاعتذار عن هذه الجرائم في سياق حديثه عن الجزائر. ومن جهة أخرى، لم تعد السياسة التقليدية لفرنسا تجاه أفريقيا أي جدوى، بل غدت غير مقبولة في ظل التغيرات الجديدة التي طالت المنظومة الدولية. لذلك، نرى “ماكرون” واضحاً في قوله: “أنا من جيل الشباب”، وأتوجه “إلى الشباب الأفريقي لنبني سوياً مستقبلا مشتركا”.. المستقبل الذي يجب أن يتأسس على الشراكة والتعاون المتبادلين، والذي يشكل الشباب دعامته الرئيسة. بيد أن خطاب “ماكرون” تضمن، من زاوية أخرى، مشروطيات لنجاح هذه الشراكات، شدد من خلالها على خيار الديمقراطية الذي لا رجعة فيه للجميع، وأيضا المكانة المهمة التي يجب أن تكون للمرأة في سيرورة البناء الجديد.. المرأة التي يجب عدم حصر وظيفتها في الزواج المبكر والإنجاب الكثير، بل في التعلم والتكوين، وتحمل المسؤوليات، أسوة بالرجل.
 

هناك في الواقع جملة من العناصر قد تدفع في اتجاه الإقناع بصدقية مشروع “ماكرون”

كانت رسائل “ماكرون” في خطاب جامعة “واغادوغو” واضحة ومُقنعة، من حيث ظاهر المعاني وبلاغة اللسان، غير أن فرص وحظوظ تنفيذها في الواقع تحتاج إلى متطلبات، لا يظهر واضحا بأن فرنسا العميقة قادرة على الإقدام عليها لتيسير مناخ وشروط فكِّ عُقدتها الاستعمارية، نهائيا وبلا رجعة. فتاريخ فرنسا حيال أفريقيا – حتى الآن – تاريخ نهب لخيرات الأفارقة، ووجود استعمار مباشر وغير مباشر، والثابت أن كل النخب القائدة في فرنسا، من يمينها حتى يسارها، توحدت في هذه السمة، وأجمعت على تحويل أفريقيا إلى منطقة نفوذ واستغلال بدون منازع.. لذلك، يمكن لفرنسا أن تلعب أدواراً في محاربة الإرهاب مثلا، وبمستطاعها أن ترفع يدها عن تنصيب الرؤساء وإسقاطهم كما دأبت على ذلك، وبمقدرتها خلق شراكات فيها فوائد متبادلة بين الطرفين، لكن تحتاج عُقدتها الاستعمارية، وهي من طبيعي بنيوية وثقافية، إلى شجاعة كبيرة، وجهود مضنية منتظمة ومتواصلة، للتغلب عليها، وفك تعقيداتها.. ولربما تكون ولاية “ماكرون” مقدمة لهذه السيرورة.

 
الكاتب: امحمد مالكي

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

%d مدونون معجبون بهذه: